السيد حيدر الآملي

343

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

جمع عبرة وهي الاعتبار واشتقاقها من العبور وهو انتقال الجسم من موضع إلى آخر ، ولما كان الذّهن ينتقل من الشيء إلى غيره حسن إطلاق العبرة عليه ، وأكثر ما يختصّ إطلاق العبرة بانتقال ذهن الإنسان من المصائب الواقعة بالغير أو ( الأمور ) المكروهة له إلى نفسه فيقدّرها كأنّها نازلة به فيحصل له بسبب ذلك انزعاج عن الدنيا وانتقال الذهن إلى ما ورائها من أمر المعاد والرجوع إلى بارئه ويسمّى ذلك عبرة ، وكذلك من المصائب اللاحقة له في نفسه المذكّرة له بجناب العزّة والملفتة له بتكرارها عن دار البلوى والمحن ، فينتقل ذهنه بسببها إلى أنّ الدنيا دار البوار وأنّ الآخرة هي دار القرار ، وذلك كقصّة أصحاب الفيل ، وكقوله : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى فَأَخَذَه ُ اللَّه ُ نَكالَ الآخِرَةِ وَالأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى [ سورة النازعات : 26 ] . وقوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [ سورة الذّاريات : 21 ] . وإن كان قد تستعمل العبرة في كلّ ما يفيد اعتبارا من طرف الإحسان أيضا ، كقوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها [ سورة المؤمنون : 21 ] . وكقوله تعالى : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّه ُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِه ِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ [ سورة آل عمران : 13 ] . فجعل سبحانه نصر المؤمنين على قلَّتهم ، وخذلان المشركين على كثرتهم ، ومشاهدة المسلمين لكونهم مثليهم محلَّا مثليهم محلَّا للعبرة ، إذ يحصل بذلك انتقال الذّهن من نعمه إلى أنّه الإله المطلق المستحقّ للعبادة ، المتفرّد بالقدرة على ما يشاء أهل الرحمة والجود وإفاضة تمام الوجود . وأمّا الأمثال فظاهرة كقوله تعالى : ضَرَبَ اللَّه ُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [ سورة النحل : 75 ] .